ابن عجيبة

622

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم . أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ، الهمزة للاستفهام الإنكارى ، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام ، والاصطفاء : أخذ صفوة الشيء ، ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هذا الحكم الفاسد ، الذي لا يرتضيه عقل ولا نقل ، أَ فَلا تَذَكَّرُونَ فتعرفوا أنه منزّه عن ذلك أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ؛ حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات اللّه ؟ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ الذي أنزل عليكم ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم . وَجَعَلُوا بَيْنَهُ ؛ بين اللّه وَبَيْنَ الْجِنَّةِ ؛ الملائكة - لاستتارهم ، نَسَباً وهو زعمهم أنهم بنات اللّه . أو : قالوا : إن اللّه صاهر الجن ، تزوج سرواتهم فولدت له الملائكة « 1 » ، تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا . وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي : ولقد علمت الملائكة إن الذين قالوا هذا القول لمحضرون في النار . أو : لقد علمت الملائكة إنهم سيحضرون للحساب من جملة العباد ، فكيف تكون بنات اللّه ؟ . سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ، نزّه نفسه عما يصفه الكفرة من الولد والصاحبة ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ، استثناء منقطع من « المحضرين » ، أي : لكن المخلصون ناجون من النار . و « سبحان اللّه » : اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه ، ويجوز أن يقع الاستثناء من واو « يصفون » ، أي : عما يصفه هؤلاء الكفرة لكن المخلصون برءاء من أن يصفوه بذلك . الإشارة : الحق تعالى في عالم القدرة منزه عن الولد والصاحبة ، وتصور الاثنينية ، وإنما سر الازدواج والتولد خاص بعالم الحكمة في حضرة الأشباح ، فليكن للعارف عينان عين تنظر لعالم القدرة في حضرة أسرار الذات ، فتوحّد اللّه ، وتنزهه عن الاثنينية ، وعين تنظر لعالم الحكمة ، فتثبت سر الازدواج والتولد في حضرة الأشباح ، والمظهر واحد ، ولا يفهم هذا إلا الأفراد من البحرية ، الذين خاضوا بحر أحدية الذات وتيار الصفات ، فحطّ رأسك لهم ، إن أردت أن تذوق هذه الأسرار . وإلا فسلم تسلم . ثم بيّن أنّ الأمور كلها بيد اللّه ، هداية وإضلالا ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 161 إلى 163 ] فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ( 161 ) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ( 162 ) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ( 163 )

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري ( 23 / 108 ) .